وهبة الزحيلي

263

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ أي بأبصار الناظرين إليه من فرط الإضاءة ، وذلك أقوى دليل على كمال القدرة من حيث توليد الضدّ من الضدّ ، أي النار من البارد . يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ بالمعاقبة بينهما ، فيأتي بكل منهما بدل الآخر ، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر ، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور ، أو بما يعم ذلك وهو الأولى . إِنَّ فِي ذلِكَ التقليب ، وفيما تقدم ذكره . لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ للدلالة على وجود الصانع القديم ، وكمال قدرته ، وإحاطة علمه ، ونفاذ مشيئته ، وتنزهه عن الحاجة ، لمن يتأمل ذلك من أهل العقول والبصائر . دَابَّةٍ حيوان يدب على الأرض ، وتستعمل عرفا للدواب ذوات الأربع . مِنْ ماءٍ هو جزء مادته ، أو ماء مخصوص وهو النطفة ، تنزيلا للغالب منزلة الكل ؛ إذ من الحيوانات ما لا يتولد عن النطفة . فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ كالحيات والهوام من الحشرات ، وإنما سمي الزحف مشيا بطريق الاستعارة أو المشاكلة . وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ كالإنسان والطير . وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ كالبهائم والأنعام ، ويندرج فيه ما له أكثر من أربع كالعناكب ، فإنها تعتمد في المشي على أربع . وتذكير الضمير في قوله : فَمِنْهُمْ والتعبير بمن لتغليب العقلاء ، والتعبير بمن عن الأصناف ليوافق التفصيل الجملة . والترتيب في إيراد هذه المخلوقات لتقديم ما هو أدل على القدرة . يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ مما ذكر ومما لم يذكر ، على اختلاف الصور في الأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفعال مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيفعل ما يشاء . المناسبة : بعد أن وصف اللّه تعالى ما استنارت به قلوب المؤمنين بالهداية ، وما أظلمت به قلوب الكافرين بالضلالة ، أتبع ذلك ببيان أدلة التوحيد والقدرة ، فذكر منها أربعة : الأول - تسبيح المخلوقات ، والثاني - إنزال الأمطار ، والثالث - اختلاف الليل والنهار ، والرابع - أنواع الحيوانات . التفسير والبيان : النوع الأول - تسبيح المخلوقات : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ أي ألم تعلم بالدليل أيها النبي وكل مخاطب أن اللّه سبحانه ينزّهه ويقدّسه كل من في